مؤلف مجهول

53

الإستبصار في عجايب الأمصار

وأقامها على منار في وسط قصره ، فكان ينظر فيها جميع الأمم والأقاليم وغير ذلك ، ويقابل ذلك بما يصلحه . وكان قد عهد إلى رئيس كهنته ان يأمرهم بالنظر في كل يوم ما يحدث في العالم ، ويخلد ذلك في كتاب ؛ فجمع إليه العلماء والكهنة والمنجمون من جميع أقطار الأرض ، وحققوا له ما أراد وتم له ذلك . وعملت له الغرائب والعجائب في البناء والطلسمات ، وغير ذلك ، وفي أيامه بنيت الأهرام التي بأرض مصر . فيقال إنه ليس على وجه الأرض حجر موضوع على حجر أغرب من بناء أهرام مصر . وكان سبب بناء هذ الأهرام أن الملك شوندين رأى رؤيا هائلة ، وذلك أنه رأى الكوكب المعروف بالبانية في صورة طير أبيض وكأنه يختطف العالم ويلقيهم بين جبلين ، وكأن الجبلين انطبقا عليهم ، وأن الكواكب المنيرة مظلمة كاسفة كلها . فأخبر بذلك رؤساء الكهان والعلماء وأمرهم أن ينظروا ما تدل عليه الكواكب مما يحدث في العالم ، فأقاموا الكواكب في مراكزها في وقت مسألة فدلت على آفة نازلة من السماء وخارجة من الأرض . فلما بان لهم ذلك أخبروه به ، فقال ما هو ذلك فنظروا في خفى أمورها ودقائق علمها ، فوجدوها مفسدة للأرض وأهلها وحيوانها وجميع ما فيها ، وقالوا إن هذه الآفة محيطة بجميع أقطار الأرض إلا اليسير ، وذلك إذا نزل قلب الأسد بأول دقيقة من السرطان ، وتكون الشمس والقمر في أول دقيقة من الحمل . فلما تيقن الملك شوندين من ذلك ، وعلم أن تلك الآفة تكون ماء يغرق الأرض ومن عليها ، . مر ببناء الأهرام « 1 » - وهي البرابى لتخليد علومهم وصناعاتهم وسير ملوكهم وسننهم في رعيتهم وأهل مملكتهم - وبنيان أعلام عظام تكون خزائن لأموالهم وكنوزهم وذخائرهم ، وتكون أيضا قبورا لهم ولأهل بيتهم ، تحفظ أجسادهم من الفساد وتبقى علمهم صحيحا « 2 » ، وأمر بأن يبنى ذلك كله من حجر صلد لا يغيره الدهر ولا يفسده الطوفان .

--> ( 1 ) هذه المقتطفات منقولة عن ابن وصيف - شاه . أنظر العجائب ، الترجمة ، ص 200 وتابع . وينسب المسعودي بناء لاأهرام حينا إلى يوسف ( مروج الذهب ، ج 2 ص 365 ) وحينا إلى المصريين القدماء ( نفس المصدر ، ص 402 ) . أما ابن خرداذبه ( ص 159 ) فينسبها إلى بطليموس . هذا وينسبها آخرون إلى باني الإسكندرية ومنارها ، وهو الإسكندر أو شداد ابن عاد الأسطورى ( ابن عبد الحكم ، ص 34 ؛ المسعودي ، التنبيه ، ص 20 ) . أنظر ياقوت ، معجم البلدان ، ج 4 ص 963 ؛ المقريزي ، الخطط ، ج 1 ص 111 وتابع ؛ السيوطي ، حسن المحاضرة ، ج 1 ص 19 ؛ النجوم الزاهرة ، ج 1 ص 40 . ( 2 ) عن معنى كلمة « بربى » أنظر عبد اللطيف ، الترجمة ، ص 182 وهامش 48 ( ص 229 ) . وفيما يختص بالاهرامات ، حسب الاصطخري ( ص 52 ) . فكانت مقابر للملوك . -